السيد عباس علي الموسوي

308

شرح نهج البلاغة

يا أهل الديار المقفرة فمنازلهم التي هي القبور خالية من الناس الذين يعرفهم ويعرف آمالهم وتطلعاتهم وما يعيش فيه أبناء الدنيا . . . أنتم أبناء القبور المظلمة فلا نور يخترفها لينيرها وأنتم أهل التراب خدودكم عليه فانتسبتم إليه يا أهل الغربة فلا أنيس لكم ولا خليل أنتم مع قربكم بعيدون ومع دنوكم متقاطعون . يا أهل الوحدة : كل واحد منكم رهين قبره منفرد فيه . يا أهل الوحشة : أنتم مستوحشون فلا والد ولا ولد ولا خليل ولا صاحب . أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق : أنتم سبقتمونا وتقدمتم علينا في هذا الطريق ونحن وراءكم سنتبع خطاكم ونقتفي أثركم ، فهو درب مكتوب علينا ولا بد من السير عليه والوصول إلى نهايته . أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قسمت هذا خبر ما عندما فما خبر ما عندكم أراد الإمام أن ينبه الحاضرين السامعين إلى هذه الحقائق التي سيصل أغلبهم إليها لوجود هذه الحالات فيهم . . . تنبهوا أيها السامعون إلى هذه الحقائق إنها دورة الحياة ستشملكم كما شملت هؤلاء الأموات أما الدور التي بنيتموها من الحلال والحرام وتعبتم من أجل تزيينها وزخرفتها هذه الدور التي كانت جنى أعماركم وكانت عندكم عزيزة قد انتقلت عنكم بالموت وسكنها غيركم . وأما الأزواج : فنساؤكم اللاتي ترملن لفقدكم قد تزوجن وانتقلن إلى أحضان غيركم . وأما الأموال التي جمعتموها وتعبتم من أجلها فقد قسمت على الورثة ووزعت عليهم فلم تبق مجموعة كما كانت في أيديكم صرة واحدة بل راح كل وارث بنصيبه يتصرف فيه في ملذاته وشهواته . وبعد هذا العرض والحديث التفت إلى أصحابه وأراد أن يرمي صيده وهذا هو بيت القصيد ومن أجله كانت تلك المقدمة التفت إليهم وقال : أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن « خير الزاد التقوى » فخير ما تجمعه وتأخذه من دنياك هو تقوى اللّه التي تعني الالتزام بأوامر اللّه وبما أراد والانتهاء عما حرم ونهى . . . 131 - وقال عليه السلام ، وقد سمع رجلا يذم الدنيا : أيّها الذّامّ